صديق الحسيني القنوجي البخاري

45

فتح البيان في مقاصد القرآن

يوم الجزاء فأخبر اللّه سبحانه وتعالى أن تلك اللعنة مستمرة له دائمة عليه ما دامت الدنيا ، ثم في الآخرة يلقى من أنواع عذاب اللّه وعقوبته وسخطه ما هو به حقيق ، وليس المراد أن اللعنة تزول عنه في الآخرة ، بل هو ملعون أبدا ولكن لما كان له في الآخرة ما ينسى عنده اللعنة ويذهل عند الوقوع فيه منها صارت كأنها لم تكن بجنب ما يكون فيه . قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي مستأنفة كما تقدم فيما قبلها أي أمهلني وأخرني ولا تعاجلني إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ يعني آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم ، وأراد بذلك أن يجد فسحة لإغوائهم ، ويأخذ منهم ثأره قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ أي الممهلين . إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ الذي قدره اللّه لفناء الخلائق وهو عند النفخة الآخرة ، وقيل : هو النفخة الأولى قيل إنما طلب إبليس الإنظار إلى يوم البعث ليتخلص من الموت لأنه إذا أنظر إلى يوم البعث لم يمت قبل البعث وعند مجيء البعث لا يموت فحينئذ يتخلص من الموت ، فأجيب بما يبطل مراده وينقض عليه مقصده وهو الإنظار إلى يوم الوقت المعلوم وهو الذي يعلمه اللّه ولا يعلمه غيره ، فلما سمع اللعين إنظار اللّه له إلى ذلك الوقت . قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ فأقسم بعزة اللّه أنه يضل بني آدم بتزيين الشهوات والمعاصي لهم ، وإدخال الشّبه عليهم حتى يصيروا غاوين جميعا ، ولا ينافيه قوله تعالى : فَبِما أَغْوَيْتَنِي [ الأعراف : 16 ] فإن إغواءه تعالى إياه أثر من آثار قدرته تعالى وعزته ، وحكم من أحكام قهره وسلطنته ، فمآل الإقسام بهما واحد ، ولعل اللعين أقسم بهما جميعا فحكى تارة قسمه بإحداهما وأخرى بأخرى . ثم لما علم أن كيده لا ينجع إلا في أتباعه وأحزابه من أهل الكفر والمعاصي استثنى من لا يقدر على إضلاله ولا يجد السبيل إلى إغوائه فقال إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ أي الذين أخلصتهم لطاعتك ، وعصمتهم مني ، وقد تقدم تفسير هذه الآيات في سورة الحجر وغيرها . قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ مستأنفة كالجمل التي قبلها قرأ الجمهور بنصب الحق في الموضعين ، على أنه مقسم به حذف منه حرف القسم ، فانتصب ، أو هما منصوبان على الإغراء أي الزموا الحق أو مصدران مؤكدان لمضمون قوله : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ وقرىء برفع الأول ونصب الثاني ، فرفع الأول على أنه مبتدأ وخبره مقدر ، أي فالحق مني أو فالحق أنا أو خبره لأملأن أو هو خبر مبتدأ محذوف ، وأما نصب الثاني فبالفعل المذكور بعده ، أي وأنا أقول الحق ، وأجاز الفراء وأبو عبيدة أن يكون منصوبا بمعنى حقا لأملأن جهنم واعترض عليهما بأن ما بعد اللام مقطوع عما قبلها ، وروي عن الفراء وسيبويه أيضا أن المعنى فالحق أن أملأ جهنم وروي عن